
مكافحة الإرهاب بين نجاح المراجعات الفكرية وضرورة تحصين المنابع المعرفية
إن الإرهاب ليس حادثة عابرة في سجل الأحداث، ولا جريمة منفصلة عن سياقها الفكري والمعرفي، وإنما هو ثمرة لشجرة لها جذور، ونتيجة لمسار طويل من التصورات والمفاهيم والتأويلات التي تتراكم في الذهن حتى تتحول من مجرد أفكار إلى مواقف، ومن مواقف إلى سلوك، ومن سلوك إلى ممارسة عنيفة تهدد الدين والدنيا معاً.
ومن هنا كان النظر إلى الإرهاب من زاوية المعالجة الأمنية وحدها نظراً إلى جزء من المشكلة لا إلى حقيقتها الكاملة؛ إذ الأمن يحاصر النتائج، ولكنه لا يقتلع الأسباب، ويمنع الخطر القائم، لكنه لا يكفل دائماً عدم تجدد دوافعه ومقدماته. ولأجل ذلك كانت المعالجة الفكرية ضرورة لا غنى عنها، لأن الفكر لا يُدفع إلا بالفكر، والشبهة لا تُزال إلا بالحجة، والانحراف لا يُصحح إلا بالعلم والبصيرة.
وفي هذا السياق تبرز التجربة الموريتانية باعتبارها من التجارب الرائدة في العالم الإسلامي في التعامل مع ملف الإرهاب والتطرف؛ إذ أدركت الدولة أن كثيراً من المنخرطين في هذه المسالك لم تدفعهم إليها دوافع إجرامية مجردة، بقدر ما دفعتهم إليها قناعات فكرية وتأويلات خاطئة للنصوص الشرعية، ومن ثم كان لا بد من مخاطبة الفكر بالفكر، والعقل بالعقل.
ولعل من أبرز ما يُحسب للقيادة الموريتانية في هذا الملف إدراكها المبكر أن المعركة مع الإرهاب ليست معركة أمنية خالصة، وإنما هي معركة وعي وفهم ومعرفة في المقام الأول. ومن هنا جاءت القناعة التي تبناها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، بأن الحوار العلمي الرصين هو السبيل الأنجع لقطع الشك باليقين، وإزالة ما علق بالأذهان من شبهات، وفتح الطريق أمام المراجعة الفكرية الصادقة.
وقد أثبتت الأيام سلامة هذا التوجه وحكمته؛ إذ أفضت جلسات الحوار والمناقشة العلمية إلى مراجعات فكرية مهمة لدى عدد من المدانين في قضايا الإرهاب، وعاد كثير منهم إلى جادة الاعتدال بعد أن انكشفت لهم مواضع الخلل في بعض التصورات التي حملتهم على تبني العنف والتشدد. وهذه النتيجة تؤكد حقيقة علمية بالغة الأهمية، وهي أن الفكر المنحرف مهما اشتد رسوخه يمكن أن يتراجع أمام سلطان البرهان إذا تهيأت له بيئة الحوار الهادئ والعلم الراسخ.
ومما زاد هذه التجربة قيمة وعمقاً أن الذين تولوا الحوار لم يكونوا من اتجاه علمي واحد، بل كانوا طيفاً متنوعاً من علماء موريتانيا ومدارسها الفكرية المختلفة، فاجتمع على مائدة الحوار علماء ينتسبون إلى مناهج متعددة في النظر والاجتهاد، من السلفيين والأشاعرة وأهل التصوف وغيرهم من أهل العلم المعتبرين.
وكان في هذا التنوع العلمي رسالة بالغة الدلالة؛ إذ أثبت أن الاختلاف المذهبي أو الفكري الذي جرى عليه تاريخ الأمة لا يمكن أن يكون مبرراً للعنف ولا مسوغاً للإرهاب، وأن المدارس العلمية الإسلامية، على تباين اجتهاداتها، تجتمع على الأصول الكبرى للشريعة، وفي مقدمتها صيانة الدماء وحفظ الأمن وتحريم العدوان والغلو.
ولعل من أجمل ما كشفت عنه هذه الحوارات أنها رسمت صورة عملية لوحدة العلماء أمام التحديات الكبرى؛ فهؤلاء الذين قد تختلف طرائقهم في البحث أو بعض مناهجهم في الاستدلال استطاعوا أن يجلسوا إلى مائدة واحدة، وأن يتحدثوا بصوت واحد حين تعلق الأمر بحرمة الإرهاب وخطورة استباحة الدماء وترويع الآمنين.
وفي ذلك درس بليغ للشباب خاصة، مفاده أن التنوع العلمي ليس سبباً للتنازع، وإنما هو مظهر من مظاهر ثراء الأمة وسعتها، وأن الاختلاف المشروع الذي عرفه المسلمون عبر قرون طويلة لم يكن يوماً مدخلاً إلى التكفير أو التفجير أو استحلال الدماء، بل كان في كثير من الأحيان مصدر إثراء علمي وحضاري أسهم في بناء الأمة وتقدمها.
وقديماً قال الإمام الشافعي رحمه الله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، وهي كلمة تختصر أدب الخلاف الذي قامت عليه حضارتنا الإسلامية، وتؤكد أن سعة الصدر للاجتهادات المعتبرة أبعد ما تكون عن منطق الإقصاء والعنف.
غير أن نجاح العلاج لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن البحث في منشأ الداء نفسه؛ إذ الحكمة تقتضي ألا نقف عند معالجة الآثار، بل نتجاوزها إلى استكشاف المؤثرات التي صنعتها.
ومن المبادرات الجديرة بالتنويه في هذا السياق إنشاء فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية، وهي مبادرة تنم عن وعي عميق بأهمية التحصين الفكري في مواجهة الغلو والتطرف. فالعلم الرصين كان على الدوام من أقوى الحصون التي تحمي العقول من الانحراف، والمتون المحظرية إذا تلقيت على أيدي العلماء الراسخين، وفهمت في ضوء مقاصد الشريعة ومنهج الوسطية والاعتدال، كانت سبباً في ترسيخ الفهم الصحيح للدين، والإسهام في تجفيف منابع التطرف والتكفير، وبناء أجيال تجمع بين سلامة الاعتقاد ورجاحة الفكر وحسن الانتماء إلى الوطن والأمة.
وقديماً قيل:
إذا عُرف السبب بطل العجب.
فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بإلحاح هو: ما المنافذ التي تتسلل منها أفكار التشدد إلى بعض العقول؟ وما الوسائل الكفيلة ببناء حصانة فكرية تجعل المجتمع أقل عرضة لاستقبال هذه الأفكار أو التأثر بها؟
إن الفكر المتطرف لا يولد فجأة، وإنما تسبقه منظومة من التصورات والقراءات والتأويلات التي قد تجد طريقها إلى بعض الشباب الذين لم تكتمل لديهم بعد أدوات الفهم الشرعي الرصين، ولم يتمكنوا من استيعاب مقاصد الشريعة وكلياتها، ولم يحيطوا بأسباب الاختلاف بين العلماء ومراتب الأدلة وطرائق الاستنباط.
ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى مراجعة المنظومة التعليمية والتكوينية مراجعة علمية هادئة ومسؤولة، لا بقصد الانتقاص من التراث العلمي أو التقليل من شأنه، وإنما بقصد ترتيب العلوم وفق مراتبها، وتقديم ما يعزز الاعتدال والوعي قبل الدخول في المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى رسوخ علمي ونضج فكري.
فليس كل ما يناسب العلماء الراسخين يناسب المبتدئين، وليس كل ما يُحسن فهمه أهل الاختصاص يُحسن فهمه حديثو العهد بطلب العلم. وقد أدرك علماؤنا هذا المعنى منذ قرون، فجعلوا للتعليم تدرجاً، وللعلوم مراتب، وللتلقي شروطاً وآداباً.
ولذلك فإن من المهم أن تتعزز المقررات التعليمية بالعلوم التي تبني العقل المقاصدي، وتغرس فقه الموازنات، وفقه السلم الاجتماعي، وأدب الاختلاف، ومقاصد الشريعة، والسيرة النبوية في أبعادها الحضارية والإنسانية، والتاريخ الإسلامي في تجاربه الناجحة في إدارة التنوع والخلاف.
كما أن من المهم أن تُعطى الأولوية للمتون والبرامج العلمية التي تُنمّي ملكة الفهم والتوازن والاعتدال، وتُرسّخ احترام الدماء المعصومة، وتعزز قيم الرحمة والتعايش والوحدة الوطنية، حتى يتخرج الطالب مزوداً بأدوات الفهم قبل الخوض في القضايا التي قد يساء تصورها أو تنزيلها إذا قُرئت بعيداً عن سياقاتها العلمية ومقاصدها الشرعية.
كما أن العناية بالنصوص الشرعية التي تؤكد حرمة الدماء وعظمة حقوق الإنسان ووجوب الوفاء بالعهود واحترام النظام العام، وإبراز النماذج المشرقة من سيرة النبي ﷺ في العفو والرحمة والحكمة، كل ذلك يسهم في بناء شخصية متوازنة تدرك أن الإسلام دين هداية وعمران لا دين فوضى وخراب.
ولقد صدق الشاعر إذ يقول:
وينشأ ناشئُ الفتيانِ منَّا
على ما كان عوَّده أبوهُ
وصدق الآخر إذ قال:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولا يلين إذا قومته الخشب
فإذا كان البناء الفكري والتربوي قائماً على الحكمة والاعتدال نشأ الاعتدال، وإذا كان قائماً على سعة الأفق وحسن الفهم أثمر الرشد والاستقامة، وكانت النتائج على قدر المقدمات.
إن التجربة الموريتانية في الحوار مع المدانين في قضايا الإرهاب تقدم درساً بالغ الأهمية مفاده أن المجتمعات تستطيع أن تنتصر على التطرف حين تجمع بين قوة الدولة وحكمة العلماء، وبين الأمن والفكر، وبين الردع والإصلاح. غير أن اكتمال هذا النجاح يظل رهيناً بالانتقال من معالجة الظواهر إلى معالجة الجذور، ومن مواجهة النتائج إلى تحصين الأسباب.
فإذا نجحنا في بناء منظومة تعليمية وتربوية تُعلي من شأن الوسطية، وتُرسخ ثقافة السلم، وتُنمّي ملكة الفهم الرشيد للنصوص، فإننا لا نكون قد عالجنا الإرهاب بعد وقوعه فحسب، بل نكون قد أغلقنا كثيراً من الأبواب التي قد يتسلل منها إلى عقول الأجيال القادمة.
وذلك هو الاستثمار الحقيقي في أمن الأوطان واستقرار المجتمعات؛ لأن الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده، وإنما يُبنى كذلك بالفكرة الصحيحة، والعلم النافع، والتربية الرشيدة، والحوار المسؤول.
الدكتور الشيخ سعدبوه الشيخ عبداتي
