
*ملامح!*
"سلسلة مقالات أدبية من تجربة أستاذٍ في روصو"
الحلقة الأولى : *الوصول إلى روصو*
للمدن مثل البشر، انطباعاتٌ أولى؛ منها ما يعلق بالذاكرة، ومنها ما يتبخر قبل أن نغادر المكان الذي وُلد فيه، وقد تأتي المدينة إليك قبل أن تصل إليها، فتسكن خيالك طويلًا، ثم لا تلبث أن تفاجئك حين تلقاها، كأنك كنت تعرف اسمها دون أن تعرفها.
أما روصو، فقد جئتها هذه المرة لا زائرًا يعبر، ولا عابرًا يتخفف من الطريق، وإنما أستاذًا يحمل من العربية ما تيسر، ومن الفلسفة ما يكفي لتحريكِ "المياه الراكدة" ومن الحياة أسئلةً لم تجد أجوبتها بعد.
ولعل من مفارقات المهنة أن الأستاذ، الذي اعتاد أن يدخل إلى الفصل وفي ذهنه درسٌ يريد إيصاله إلى الآخرين، يجد نفسه، خارج الفصل، تلميذًا في مدرسة الحياة؛ يتعلم من الوجوه، ويختبر أفكاره في المواقف، ويكتشف أن بعض الدروس لا تُكتب على السبورة، وأن بعض الأسئلة لا يرفع أصحابها أصابعهم طلبًا للإجابة.
جئت إلى روصو وفي ذهني صورة الأستاذ الذي يعرف ما سيقول، ويحسب أن الأيام ستنتظم في جدول الحصص، وأن الحياة، شأنها شأن النحو، يمكن ردُّ كثير من فوضاها إلى قواعد مضبوطة.
ثم تذكرت أنني أدرّس الفلسفة أيضًا؛ والفيلسوف، على الأقل، لا ينبغي له أن يُفاجأ حين ترفض الحياة أن تتصرف وفق القاعدة.
في المدن الجديدة، يتعلم المرء من جديد فنَّ النظر فالأشياء التي لا تستوقف أهل المكان قد تكون بالنسبة إلى القادم حكاياتٍ كاملة؛ طريقة السلام، وإيقاع المشي، وأحاديث الناس، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا تُدوَّن في كتب الجغرافيا، مع أنها ربما كانت أصدق في وصف المكان من خطوط الطول والعرض.
وليس غريبًا أن تكون المدرسة أول الأمكنة التي يعاد فيها اكتشاف العالم فالفصل الدراسي ليس مجموعة مقاعد وتلاميذ فحسب، بل مجتمع صغير تتجاور فيه أحلام متفاوتة، وطبائع متباينة، وقدرات لا تتشابه، ومستقبل لم يحسم أمره بعد، وفي كل تلميذ حكاية لم يحن وقت قراءتها، وربما كان واجب الأستاذ أن يتذكر ذلك كلما استعجل الحكم.
لكنني لم آتِ إلى روصو لأكتب عن المدرسة وحدها، ولا لأجعل من هذه التجربة تقريرًا عن أحوالي المهنية ثمة حياة كاملة تجري خارج أسوار المؤسسات، وثمة وجوه تمر بنا فلا نعرف قيمتها إلا حين نستعيدها في الذاكرة، وثمة مواقف تبدو عادية ساعة وقوعها، ثم تكشف لنا الأيام أنها كانت تحمل من المعنى أكثر مما ظننا.
من هنا تبدأ «ملامح!»؛ لا بوصفها يومياتٍ لأستاذ، بل بوصفها محاولة أدبية لقراءة الحياة من مقعد الأستاذ، والنظر إلى المجتمع بعين الكاتب، ومساءلة المألوف بعقل الفيلسوف.
سأكتب ما يستحق الكتابة، وأتأمل ما يستحق التأمل، وأترك للمفارقات أن تقول بعض ما تعجز المواعظ عن قوله. فإن ابتسم القارئ فذلك خير، وإن توقف عند فكرة فذلك خير أيضًا، وإن وجد في بعض هذه الملامح شيئًا من نفسه، فقد تجاوزت الكتابة حدود صاحبها.
فليست العبرة أن نمرَّ بالمدن، بل أن ننتبه إلى ما تتركه فينا ونحن نمر بها.
ورصو، في هذه التجربة، ليست مجرد مكان جديد للعمل؛ إنها صفحة جديدة في دفتر الملاحظات.
ولكل صفحة ملامحها!
يتواصل...
محمد محمود محمذن أحمد عالم
